ابن الأثير

354

الكامل في التاريخ

يرفلون في حللهم ، فلمّا أخذوا مجالسهم ومدّوا أيديهم يأكلون ، أخذت جديس سيوفهم من الرمل وقتلوهم وقتلوا ملكهم وقتلوا بعد ذلك السّفلة . ثمّ إنّ بقيّة طسم قصدوا حسّان بن تبّع ملك اليمن فاستنصروه ، فسار إلى اليمامة . فلمّا كان منها على مسيرة ثلاث قال له بعضهم : إنّ لي أختا متزوّجة في جديس يقال لها اليمامة تبصر الراكب من مسيرة ثلاث ، وإنّي أخاف أن تنذر القوم بك ، فمر أصحابك فليقطع كلّ رجل منهم شجرة فليجعلها أمامه . فأمرهم حسّان بذلك ، فنظرت اليمامة فأبصرتهم فقالت لجديس : لقد سارت إليكم حمير . قالوا : وما ترين ؟ قالت : أرى رجلا في شجرة معه كتف يتعرّقها أو نعل يخصفها ، وكان كذلك ، فكذّبوها ، فصبّحهم حسّان فأبادهم ، وأتي حسّان باليمامة ففقأ عينها ، فإذا فيها عروق سود ، فقال : ما هذا ؟ قالت : حجر أسود كنت أكتحل به يقال له الإثمد ، وكانت أوّل من اكتحل به . وبهذه اليمامة سمّيت اليمامة ، وقد أكثر الشعراء ذكرها في أشعارهم . ولما هلكت جديس هرب الأسود قاتل عمليق إلى جبلي طيِّئ فأقام بهما ، ذلك قبل أن تنزلهما طيِّئ ، وكانت طيِّئ تنزل الجرف من اليمن ، وهو الآن لمراد وهمدان . وكان يأتي إلى طيِّئ بعير أزمان الخريف عظيم السمن ويعود عنهم ، ولم يعلموا من أين يأتي ، ثمّ إنّهم اتّبعوه يسيرون بسيره حتى هبط بهم على أجأ وسلمى جبلي طيِّئ ، وهما بقرب فيد ، فرأوا فيهما [ 1 ] النخل والمراعي الكثيرة ورأوا الأسود بن عفار ، فقتلوه ، وأقامت طيِّئ بالجبلين بعده ، فهم هناك إلى الآن ، وهذا أوّل مخرجهم إليهما [ 2 ] .

--> [ 1 ] فيه . [ 2 ] إليها .